الشنقيطي
66
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
[ الجاثية : 34 ] وهذا القول يكون يوم القيامة ، وقد عبر عن النسيان بصيغة المضارع وهي للحال أو الاستقبال ، ولا يكون النسيان المخبر عنه في الحال إلا عن قصد وإرادة ، وكذلك لا يخبر عن نسيان سيكون في المستقبل إلا عن قصد وإرادة ، وهذا في النسيان بمعنى الترك عن قصد ، أما الذي بمعنى السهو فيكون بدون قصد ولا إرادة ، فلا يصح التعبير عنه بصيغة المضارع ولا الإخبار بإيقاعه عليهم في المستقبل ، فصح أن كل نسيان نسب إلى اللّه فهو بمعنى الترك ، وكان قوله تعالى : فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] مفسرا ومبينا لمعنى الْيَوْمَ نَنْساكُمْ [ الجاثية : 34 ] ولقوله إِنَّا نَسِيناكُمْ [ السجدة : 14 ] والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [ 20 ] . دلت هذه الآية الكريمة على عدم استواء الفريقين : أصحاب النار وأصحاب الجنة . وهذا أمر معلوم بداهة ، ولكن جاء التنبية عليه لشدة غفلة الناس عنه ، ولظهور أعمال منهم تغاير هذه القضية البديهية ، كمن يسيء إلى أبيه فتقول له : إنه أبوك ، قاله بعض المفسرين . وهذا في أسلوب البيان يراد به لازم الخبر . أي يلزم من ذلك التنبيه أن يعملوا ما يبعدهم عن النار ويجعلهم من أصحاب الجنة ، لينالوا الفوز . وهذا البيان قد جاءت نظائره عديدة في القرآن كقوله تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ ص : 28 ] وكقوله : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ [ السجدة : 18 ] أي في الحكم عند اللّه ، ولا في الواقع في الحياة أو في الآخرة ، كما قال تعالى : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [ الجاثية : 21 ] ، وهنا كذلك لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الحشر : 20 ] في المرتبة والمنزلة والمصير . قال أبو حيان : هذا بيان مقابلة الفريقين أصحاب النار في الجحيم ، وأصحاب الجنة في النعيم ، والآية عند جمهور المفسرين في بيان المقارنة بين الفريقين ، وهو ظاهر السياق بدليل ما فيها من قوله : أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ، فهذا حكم